ما يهمنا مناقشته من آرائه وأفكاره :
عُني «ميكافيلي » بأن يكشف من التاريخ القديم ومن الأحداث المعاصرة له: كيف تُنال الإمارات، وكيف يُحتفظ بها، وكيف تُفقد ([1]) .
وانتهى إلى رأي في السياسة يتلخص كما سبق بالعبارة التالية: «الغاية تبرر الوسيلة » مهما كانت هذه الوسيلة منافية للدين والأخلاق .
وقد استند في رأيه هذا إلى الواقع المنحرف للأكثرية من الناس، لا إلى مبادئ الحق والعدل والخير والفضيلة .
رأى أن أكثر الحكام لم يكونوا شرعيين، ولم يكونوا متلزمين المبادئ الأخلاقية الفاضلة، وبذلك استطاعوا أن يصلوا إلى الحكم، وأن يضمنوا استقرار الحكم في أيديهم إلى حين.
بخلاف الحكام الشرعيين، والذين كانوا يلتزمون المبادئ الأخلاقية الفاضلة المستندة إلى الحق والعدل والخير، فإنهم لم يحققوا لأنفسهم النجاح المطلوب، ولا المحافظة على الحكم، كمحافظة الساسة الخائنين الغدارين المرائين المنافقين الكذابين .
حتى البابوات فقد رأى أنهم قد كانوا في الكثير من الحالات يضمنون الانتخاب لنفسهم بوسائل فاسدة، لا تتفق مع الفضائل الخلقية .
وأنكر «ميكافيلي » في كتابه « الأمير » بصراحة تامة الأخلاق المعترف بصحتها، فيما يختص بسلوك الحكام، فالحاكم يهلك إذا كان سلوكه متقيدًا دائمًا بالأخلاق الفاضلة، لذلك يجب أن يكون ماكرًا مكر الذئب، ضاريًا ضراوة الأسد .
وفي الفصل الثامن من كتابه «الأمير » ذكر أنه ينبغي للأمير أن يحافظ على العهد حين يعود ذلك عليه بالفائدة فقط. أما إذا كانت المحافظة على العهد لا تعود عليه بالفائدة فيجب عليه حينئذٍ أن يكون غدارًا .
ويقول :
« بيد أنه من الضروري أن يكون الأمير قادرًا على إخفاء هذه الشخصية ([2]). وأن يكون دعيًا كبيرًا، ومرائيًا عظيمًا، والناس يصلون في السذاجة وفي الاستعداد للخضوع للضراوات الحاضرة، إلى الحد الذي يجعل ذلك الذي يخدع يجد دائمًا أولئك الذين يتركون أنفسهم ينخدعون. وسأنوه فقط بمثل حديث واحد، فالإسكندر السادس لم يفعل شيئًا إلا أن يخدع الناس، ولم يخطر بباله أن يفعل شيئًا آخر، ووجد الفرصة لذلك، ولم يكن من هو أقدر منه على إعطاء التأكيدات، وتوثيق الأشياء بأغلظ الإيمان، ولم يكن أحد يرعى ذلك أقل منه، ومع ذلك فقد نجح في خُدعاته، إذ كان يعرف هذه الأمور معرفة طيبة ».
واستنتج «ميكافيلي » من هذا أنه لا يلزم الأمير أن يكون متحليًا بفضائل الأخلاق المتعارف عليها، ولكن يجب عليه أن يتظاهر بأنه يتصف بها. وينبغي له أن يبدو فوق كل شيء متدينًا ([3]) .
وفلسفة «ميكافيلي » تعتمد على دراسة النجاحات البشرية في وصول الناس إلى غاياتهم، ولو كانت هذه النجاحات هي من قبيل نجاحات الأشرار. وما دامت أمثلة الآثمين الناجحين أكثر عددًا من أمثلة القديسيين الناجحين، وكانت وسائل الآثمين وسائل آثمة منافية لفضائل الأخلاق، فإن الغاية في السياسة تبرر الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق، من أجل تحقيق النجاح المطلوب، ومن أجل الوصول إلى الغاية المقصودة، وهي الظفر بالحكم والاستئثار به .
فآراء «ميكافيلي » في تبرير الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق تدور حول السياسة، وأخلاق الحكام، وذوي السلطة .
وأخذ معظم أرباب السياسة في الشرق والغرب، بهذا الاتجاه الميكافيلي وفق أقصى صوره المنحرفة .
وهذا الاتجاه المنحرف الشاذ، المعاكس لاتجاه الكمال الإنساني، إذا أُخذ على إطلاقه، هو طريق كل المنحرفين الظالمين المجرمين المفسدين في الأرض، قبل مكيافيلي وبعده في السياسة، وفي غيرها .
وأخذ هذا الاتجاه المستهين بفضائل الأخلاق الإنسانية لتحقيق غايات الأفراد والجماعات، يسودُ سلوك الناس في الشرق والغرب، ويغزو الأجيال في كل الأمم والشعوب، حتى غدا شمول الانحراف في الأخلاق نذير دمار عام شامل لكل الشعوب التي أخذت تنعدم فيها فضائل الأخلاق الفردية والجماعية .
وقد مال الفيلسوف الإنجليزي الملحد «برتراند رسل » إلى تأييد أفكار «مكيافيلي » فقال:
« وفلسفته السياسية علمية تجريبية، مؤسسة على خبرته الخاصة بالشؤون العامة، ومعنية بتقديم الوسائل على الغايات المحدودة، بغض النظر عن التساؤل عن ضرورة النظر في كون الغايات حسنة أو سيئة، وعندما يسمح لنفسه أحيانًا بأن يشير إلى الغايات التي يرومها، فإنها تكون بحيث تستطيع جميعنا أن نطريها، وكثير من القدح المألوف اللاحق باسمه يرجع إلى استنكار المنافقين الذين يكرهون الإقرار بفعل الشر » ([4]) .
( 3 )
0 التعليقات
إرسال تعليق